السيد حيدر الآملي
548
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [ سورة آل عمران : 133 ] . لأنّ الجنّة الحقيقيّة ونعيمها ليست إلَّا مشاهدته ولقاؤه على الوجه المذكور لأنّ في أكثر المواضع القرآنيّة إذا أخبر اللَّه تعالى بالسّماوات والأرض ما أراد بهما إلَّا العالم المشتمل على الرّوحانيات والجسمانيّات أو العلويّات والسفليّات مطلقا ، ولهذا أخبر عن عرضها لا عن طولها ، لأنّ الوجود دوري والسّماوات والأرض كريّ كما بيّناه في الدائرة فلا يناسب الأخبار عنها إلَّا بالعرض لأنّ الطول غير متصوّر فيه فافهم . وعند التحقيق الجنّة المعنويّة لا طول لها ولا عرض ، والغرض من أمثال ذلك التنبيه والتعليم في صورة المثال : وَتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ سورة العنكبوت : 43 ] . وعن هذه الجنّة أخبر النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : انّ للَّه تعالى جنّة ليس فيها حور ولا قصور ولا عسل ولا لبن بل يتجلَّى ربّنا فيها ضاحكا متبسّما . لأنّ هذه كلَّها إشارة إلى الجنّة المعنويّة دون الصّوريّة ، والضّحك والتبسّم إشارة إلى الكشف اللثام والمشاهدة العينيّة في ملا بس التعيّنات ومظاهر التّشخصات مرتديا برداء الكبرياء والعظمة ومتلبّسا بلباس الحلال والعزّة والمشار إليه في قوله : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري من نازعني فيهما كسرته ( 347 ) . وإلى هذا الكشف الصريح أشار النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أيضا في قوله :
--> ( 347 ) قوله : الكبرياء ردائي . في تفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمّد العسكري ( ع ) في سورة محمّد ذيل قوله تعالى : * ( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) * ، ص 36 : يا موسى إنّ « الفخر ردائي والكبرياء إزاري ، من نازعني في شيء منهما عذّبته بناري » . وأيضا رواه الراغب الأصفهاني في المفردات في ( كبر ) وقال : روي عنه ( ص ) يقول : « الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قصمته » . وراجع أيضا الجزء الأوّل تعليقتنا 69 ، ص 309 .